يوحنا ٤: ١-١٤:
يسوع يقدّم الماء الحي للمرأة السامرية
يوحنا ٤: ١-١٤ (فانديك)
التفسير الصحيح ليوحنا ٤: ١-١٤
بعد أن أوضح الإنجيل أن الابن يأتي من فوق، ويتكلم بكلام الله، وأن الذي يؤمن به له حياة أبدية (يوحنا 3:31–36)، يقدّم الآن لقاءً شخصيًا بين يسوع وامرأة سامرية. ويُظهر السرد يسوع وهو يترك اليهودية ويجتاز السامرة ويقترب من إنسانة كانت تبدو بعيدة بسبب الحواجز الدينية والعرقية والاجتماعية. لكن هناك تحديدًا بدأ يسوع يتحدث عن عطية الله وعن الماء الحي الذي لا يستطيع أن يمنحه سواه.
(ع. ١)
«فَلَمَّا عَلِمَ ٱلرَّبُّ أَنَّ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أَنَّ يَسُوعَ يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلَامِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا،»
يبدأ السرد بالإشارة إلى أن الفريسيين سمعوا عن اتساع خدمة يسوع.
كان يُقال إن يسوع يصيّر ويعمّد تلاميذ أكثر من يوحنا.
يرتبط هذا بما سبق، حين لاحظ تلاميذ يوحنا أيضًا أن كثيرين كانوا يأتون إلى يسوع. فقد كانت خدمة يسوع تزداد ظهورًا.
(ع. ٢)
«مَعَ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُعَمِّدُ بَلْ تَلَامِيذُهُ،»
يوضح يوحنا تفصيلًا مهمًا.
لم يكن يسوع نفسه يعمّد مباشرةً، بل كان تلاميذه يفعلون ذلك.
يمنع هذا التوضيح الالتباس. فمع أن الخدمة كانت تُنسب إلى يسوع، كان تلاميذه هم الذين يقومون بالتعميد.
ظل يسوع هو المحور، لكن النص يوضح كيف كان ذلك النشاط يتم.
(ع. ٣)
«تَرَكَ ٱلْيَهُودِيَّةَ وَمَضَى أَيْضًا إِلَى ٱلْجَلِيلِ.»
ترك يسوع اليهودية ومضى إلى الجليل.
لا يقدّم الإنجيل هذا الرحيل بوصفه خوفًا أو فقدانًا للسيطرة، بل جزءًا من تحرك يسوع في رسالته.
لم يقع يسوع أسيرًا للتوتر الذي بدأ يتشكل حول خدمته، بل واصل التقدم بحسب قصده.
(ع. ٤)
«وَكَانَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ ٱلسَّامِرَةَ.»
يضيف يوحنا عبارة مهمة: «وَكَانَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ ٱلسَّامِرَةَ».
لا يقدّم النص ذلك بوصفه مجرد تفصيل جغرافي. فعبارة «لَا بُدَّ لَهُ» تشير إلى ضرورة ضمن مسار يسوع.
يمهّد السرد للقارئ لكي يفهم أن اللقاء الآتي لم يكن مصادفة. فكان لا بد ليسوع أن يجتاز السامرة، وهناك ستجري محادثة تكشف نعمة الله بطريقة مدهشة.
(ع. ٥)
«فَأَتَى إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ ٱلسَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ، بِقُرْبِ ٱلضَّيْعَةِ ٱلَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ ٱبْنِهِ.»
أتى يسوع إلى مدينة من السامرة يُقال لها سوخار.
يحدّد يوحنا المكان بالقرب من الضيعة التي وهبها يعقوب لابنه يوسف. ويربط هذا التفصيل المشهد بتاريخ الشعب القديم.
لم يجرِ اللقاء في مكان خالٍ من الدلالة. فقد وصل يسوع إلى منطقة مرتبطة بذاكرة إسرائيل، لكنها كانت مأهولة بالسامريين، وهم شعب كانت تفصله عن اليهود مسافة تاريخية ودينية كبيرة.
(ع. ٦)
«وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ ٱلسَّفَرِ، جَلَسَ هَكَذَا عَلَى ٱلْبِئْرِ، وَكَانَ نَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلسَّادِسَةِ.»
وكانت هناك بئر يعقوب.
وصل يسوع متعبًا من السفر، فجلس على البئر.
يُظهر الإنجيل هنا إنسانية يسوع الحقيقية. فالذي يأتي من فوق وهو فوق الجميع يتعب أيضًا من السفر.
وكان نحو الساعة السادسة، أي في وقت متقدم من النهار. وهكذا تهيأ المشهد: يسوع جالس عند البئر وهو متعب، وهناك سيلتقي بالمرأة التي جاءت لتستقي ماءً.
(ع. ٧)
«فَجَاءَتِ ٱمْرَأَةٌ مِنَ ٱلسَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً، فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَعْطِينِي لِأَشْرَبَ».»
جاءت امرأة سامرية إلى البئر لتستقي ماءً.
بدأ يسوع الحديث بطلب بسيط: «أَعْطِينِي لِأَشْرَبَ».
فالذي سيتحدث بعد قليل عن الماء الحي بدأ بطلب الماء.
اقترب يسوع من المرأة من خلال حاجة حقيقية، وفتح هذا الطلب بابًا لمحادثة أعمق.
(ع. ٨)
«لِأَنَّ تَلَامِيذَهُ كَانُوا قَدْ مَضَوْا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لِيَبْتَاعُوا طَعَامًا.»
يوضح يوحنا أن التلاميذ لم يكونوا حاضرين.
فقد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا.
وبذلك بقي يسوع والمرأة في محادثة مباشرة. وسيركز السرد على الحوار بينهما.
(ع. ٩)
«فَقَالَتْ لَهُ ٱلْمَرْأَةُ ٱلسَّامِرِيَّةُ: «كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا ٱمْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟». لِأَنَّ ٱلْيَهُودَ لَا يُعَامِلُونَ ٱلسَّامِرِيِّينَ.»
تعجبت المرأة من طلب يسوع.
وأدركت المسافة التي تفصل بينهما: هو يهودي وهي امرأة سامرية.
يكشف سؤالها أن مثل هذه المحادثة لم تكن متوقعة في ضوء العادات والتوترات بين اليهود والسامريين.
ويضيف يوحنا التفسير: «لِأَنَّ ٱلْيَهُودَ لَا يُعَامِلُونَ ٱلسَّامِرِيِّينَ».
لكن يسوع تجاوز هذا الحاجز. فلم يتصرف بحسب الاحتقار البشري، بل وفق نعمة الله وقصده.
(ع. ١٠)
«أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ ٱللهِ، وَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لِأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا».»
أجاب يسوع ناقلًا المحادثة إلى مستوى أعمق.
رأت المرأة يهوديًا يطلب منها ماءً، لكن يسوع أوضح لها أنها ما زالت تجهل أمرين: عطية الله وهوية الذي يتحدث إليها.
لو كانت تعرف هذين الأمرين، لما توقفت عند تعجبها من طلب يسوع للماء، بل لكانت هي نفسها قد طلبت منه.
وكان يسوع سيعطيها ماءً حيًا.
غيّر الرب اتجاه المحادثة. فقد بدأ بطلب الماء، لكنه أعلن الآن أنه هو القادر على إعطائها ما تحتاج إليه حقًا.
(ع. ١١)
«قَالَتْ لَهُ ٱلْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، لَا دَلْوَ لَكَ وَٱلْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ ٱلْمَاءُ ٱلْحَيُّ؟»
فهمت المرأة كلام يسوع بمعناه المادي.
لاحظت أن يسوع لا دلو له وأن البئر عميقة.
لذلك سألته من أين له الماء الحي.
لم تكن قد فهمت بعد أن يسوع لا يتحدث عن ماء البئر فحسب. وكما حدث من قبل مع نيقوديموس والولادة الجديدة، توقفت الاستجابة البشرية أولًا عند المستوى الطبيعي.
(ع. ١٢)
«أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، ٱلَّذِي أَعْطَانَا ٱلْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟».»
استندت المرأة إلى يعقوب وقيمة البئر.
وسألت هل يسوع أعظم من يعقوب.
كانت البئر في نظرها ميراثًا مهمًا. فقد شرب منها يعقوب نفسه، وكذلك بنوه ومواشيه.
كان سؤال المرأة مهمًا، مع أنها لم تكن قد أدركت بعد من كان واقفًا أمامها.
كان يسوع يقودها خطوةً خطوةً إلى التفكير في أن هناك ما هو أعظم من ماء البئر وأعظم من الميراث الذي تسلموه.
(ع. ١٣)
«أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا ٱلْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا.»
أجاب يسوع مشيرًا إلى محدودية ماء البئر.
كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا.
لم يحتقر الماء الطبيعي، لكنه أوضح أنه لا يستطيع أن يروي العطش بصورة نهائية.
ما تقدمه البئر حقيقي، لكنه مؤقت. فهو يروي العطش مدة، ثم يعود العطش من جديد.
(ع. ١٤)
«وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، بَلِ ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».»
قدّم يسوع الآن التباين.
الماء الذي يعطيه هو مختلف.
من يشرب من الماء الذي يعطيه يسوع فلن يعطش إلى الأبد.
لا يتحدث يسوع عن إشباع سطحي أو مؤقت، بل عن عطية عميقة تبلغ حاجة الإنسان الداخلية.
وفوق ذلك، يصير هذا الماء في الإنسان ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية.
ما يعطيه يسوع لا يروي العطش فقط، بل ينتج ينبوعًا داخليًا متجهًا نحو الحياة الأبدية.
ينتهي النص مبيّنًا أن يسوع لا يقدّم مجرد راحة مؤقتة، بل يقدّم عطية الله، الماء الحي الذي يقود إلى الحياة الأبدية.
الدلالات
- يوجّه يسوع طريقه بحسب قصد الله: لم يكن اجتيازه السامرة أمرًا عرضيًا.
- يسوع إنسان حقيقي: يُظهره النص متعبًا من السفر.
- يتجاوز يسوع الحواجز البشرية ليعلن نعمة الله: تحدث مع امرأة سامرية رغم الانفصال بين اليهود والسامريين.
- يبدأ الخلاص بمعرفة عطية الله ومن هو يسوع: فقد وجّه المرأة بنفسه إلى هاتين الحقيقتين.
- يسوع هو الذي يمنح الماء الحي: وما يحتاج إليه الإنسان في أعماقه يأتي منه.
- للأمور الأرضية حدود: يروي ماء البئر العطش، لكن ليس بصورة نهائية.
- الماء الذي يعطيه يسوع مرتبط بالحياة الأبدية: فعطيته تنتج ينبوعًا داخليًا ينبع إلى حياة أبدية.
التطبيقات
- اعترف بأن يسوع يقترب من الذين يُنظر إليهم بوصفهم بعيدين: فنعمة الله تتجاوز الحواجز البشرية.
- لا تتوقف عند الاحتياجات المؤقتة: فكرت المرأة في ماء البئر، لكن يسوع تحدث إليها عن عطش أعمق.
- اطلب من المسيح ما لا يستطيع سواه أن يمنحه: فلو عرفت عطية الله ومن هو يسوع، لطلبت منه.
- لا تختزل يسوع في شخص يطلب منك شيئًا: فهو الذي يستطيع أن يمنحك الماء الحي.
- اقبل أن الينابيع الأرضية لا تُشبع نهائيًا: فمن يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا.
- اطلب في المسيح الحياة الباقية: فالماء الذي يعطيه ينبع إلى حياة أبدية.
- انظر إلى الناس كما ينظر إليهم يسوع: لا من خلال الأحكام المسبقة البشرية، بل بوصفهم أشخاصًا يمكنهم أن يعرفوا عطية الله.
الخلاصة
في يوحنا ٤: ١-١٤ ترك يسوع اليهودية ومضى إلى الجليل، وكان لا بد له أن يجتاز السامرة. فأتى إلى سوخار وجلس عند بئر يعقوب متعبًا من السفر. وجاءت امرأة سامرية لتستقي ماءً، فبدأ يسوع المحادثة بطلبه منها أن تعطيه ليشرب. فتعجبت المرأة لأنه يهودي وهي سامرية، لكن يسوع نقل الحديث إلى حقيقة أعمق: لو كانت تعرف عطية الله ومن هو الذي يكلمها، لطلبت منه، فأعطاها ماءً حيًا. فهمت المرأة كلامه أولًا بمعناه المادي وفكرت في بئر يعقوب، لكن يسوع أوضح أن ماء البئر لا يروي العطش بصورة نهائية. أما الماء الذي يعطيه هو فيصير ينبوعًا ينبع إلى حياة أبدية.
الصلاة
يا أبانا، نشكرك لأنك تقدّم لنا في يسوع المسيح الماء الحي.
يا رب، أعنّا ألا نتوقف عند احتياجاتنا المؤقتة فقط، بل أن ندرك العطش العميق في قلوبنا. علّمنا أن نعرف عطية الله وأن ندرك من هو يسوع حقًا.
نشكرك لأن ابنك اقترب بالنعمة من امرأة سامرية، وأظهر أن فيه حياة للذين يبدون بعيدين.
امنحنا قلبًا يطلب من المسيح ما لا يستطيع سواه أن يمنحه، واجعل هذا الماء الحي يصير فينا ينبوعًا ينبع إلى حياة أبدية.
نطلب هذا باسم ربنا يسوع المسيح. آمين.
New American Standard Bible (NASB 1995)
Copyright © 1960, 1971, 1977, 1995
by The Lockman Foundation, La Habra, Calif.
Used by permission. All rights reserved.
For Permission to Quote Information visit www.lockman.org
The Sovereign Creator Has Spoken (SCS)
Sixth Edition.
Copyright © 2025 Wilbur N. Pickering
Text and translation by Wilbur N. Pickering, ThM, PhD
Used by permission. www.prunch.com